عماد الدين خليل

40

دراسة في السيرة

احتراما وتقديرا في بيئة كانت تستهجن مجهولي الأنساب وتحتقر الخلطاء . ومن مرارة اليتم ووحشة العزلة وانقطاع معين العطف والحنان ، قبس الرسول صلى اللّه عليه وسلم الصلابة والاستقلال والقدرة على التحمل ، والإرادة النافذة ، والتحدي الذي لا تنكسر له قناة . وبالفقر والحرمان تربى ونما بعيدا عن ترف الغنى وميوعة الدلال واتكالية الواجدين . وعبر رحلته الأولى إلى الشام في رعاية عمه ، فتح محمد صلى اللّه عليه وسلم عينيه ووعيه تجاه العالم الذي يتجاوز حدود الصحراء وسكونها إلى حيث المجتمعات المدنية التي تضطرب نشاطا وقلقا ، والجماعات العربية التي فصلتها عن شقيقاتها في الصحراء الأم ، سلطات أجنبية أحكمت قبضتها على الأعناق ، وساقت الشيوخ والأمراء العرب إلى ما تريد هي وتهوى لا ما يريدون ويهوون . وفي رحلته الثانية إلى الشام ، مسؤولا عن تجارة السيدة خديجة ، تعلم الرسول الكثير الكثير ، عمّق في حسّه معطيات الرحلة الأولى وزاد عليها إدراكا أكثر لما يحدث في أطراف عالمه العربي من علاقات بين الغالب والمغلوب ، والسيّد والمسود ، وإفادة أغنى من كل ما يتعلمه الذين يرحلون من مكان إلى مكان فيتعلمون من رحيلهم طبائع الجماعات والشعوب ، وكنه العلاقات بينها واختلاف البيئات والأوضاع . . ويزدادون مرونة وقدرة على التعامل المنفتح الذي لا ينقطع له خيط مع شتى الطبائع ، وفهما لما يتطلبه الإنسان في عصر من العصور بعد اطلاع مباشر على عينات من هذا الإنسان في سعادته وهنائه ، أو في تعاسته وشقائه . . وفوق هذا وذاك فقد أتيح للرسول في رحلته هذه تنمية وامتحان قدراته الخاصة التي تعلمها أيام الرعي صبيا ، وها هو الآن ( يدير ) تجارة لسيدة تملك الكثير ، فيعرف كيف يحيل القليل كثيرا ، ويصمد إزاء إغراء الذهب والفضة أمينا لا تلحق أمانته ذرة من غبار . . قديرا على الارتفاع فوق مستويات الإغراء إلى آخر لحظة . ثم يجيء إسهامه في القضايا الكبرى التي عاشتها مكة آنذاك ، متنوعا شاملا مغطيا شتى مساحات العمل البشري الجماعي ، وكأنه أريد له أن يجرب كل شيء ، أن يسهم عاملا في كل اتجاه ، وأن يا بني عبر نشاطاته المتنوعة جميعا شخصية قادرة على التصدي لكل مشكلة ، والإسهام الإيجابي الفعال في كل ما من شأنه أن يعيد حقا أو يقيم عدلا . . في حرب الفجار مارس الرسول صلى اللّه عليه وسلم شؤون القتال ، وفي حلف الفضول شارك في تجربة السياسة والحكم ، وفي بناء الكعبة